الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

492

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

تأخذهم بالعدل وتعمل فيهم بالحقّ ، وتنصف الوضيع من الشريف ، فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع ، فضجّت طائفة ممّن معك من الحقّ إذ عموا به واغتمّوا من العدل إذ صاروا فيه ، ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف فتاقت أنفس النّاس إلى الدنيا وقلّ من ليس للدنيا بصاحب ، وأكثرهم يجتوي الحقّ ويشتري الباطل ويؤثر الدّنيا ، فإن تبذل المال تميل إليك أعناق الرجال وتصفو نصيحتهم لك . فقال عليه السلام : أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل ، فإن اللّه تعالى يقول : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فلَنِفَسْهِِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 1 ) وأنا من أن أكون مقصّرا فيما ذكرت أخوف . وأما ما ذكرت من أن الحقّ ثقل عليهم ففارقونا لذلك ، فقد علم اللّه أنّهم لم يفارقونا من جور ولا لجئوا إذ فارقونا إلى عدل ، ولم يلتمسوا إلّا دنيا زائلة عنهم كانوا فارقوها ، وليسئلنّ يوم القيامة آلدّنيا أرادوا أم للهّ عملوا . وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنهّ لا يسعنا أن نؤتي أمرا من الفيء أكثر من حقهّ وقد قال سبحانه - وقوله الحقّ - كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ ، وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ( 2 ) ، وقد بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وحده فكثرّه بعد القلّة وأعزّ فئته بعد الذلّة ، وإن يرد اللّه أن يولّينا هذا الأمر يذلّل لنا صعبه ويسهّل لنا حزنه ، وأنا قابل من رأيك ما كان للهّ عزّ وجلّ رضا ، وأنت من آمن النّاس عندي وأنصحهم وأوثقهم في نفسي إن شاء اللّه ( 3 ) . وروى الإسكافي في ( نقض عثمانيتّه ) - وقد نقله ابن أبي الحديد في

--> ( 1 ) فصلت : 46 . ( 2 ) البقرة : 249 . ( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 197 ، والنقل بتصرف يسير .